عمان- إبراهيم السواعير
من يفتّش قلوب البنات يجد أنهنّ يحتفظن بالخاطرة، ويكتبنها في أحلامهنّ وواقعهنّ المتخيّل ومشوارهنّ ما بين الصباح والمساء، وهي أحلامٌ مهمّة يجب أن تكون مصدراً لكل أجناس الأدب أو صنوف الفن.
مقطوعة (عندما يبكي الرجال)، التي كتبتها رولا نصراوين، وضمّنتها كتابها (هكذا تكون البداية)، مثالٌ على إحساس الكاتبة بالموضوع قيد (الخاطرة)، وجعل الصورة هي (السيّدة) في هذا الموقف أو ذاك.
تحشد نصراوين مرارةً وحزناً عميقاً جداً، مكثّفاً، في الخاطرة التي هي في أكثرها صفحة ونصف الصفحة؛ فتستجيب لظواهر تلتقطها- كما قالت- من الناس على عمومهم وتباين اهتماماتهم وأعمارهم وثقافاتهم، غير مهتمّة إلا بالثيمة التي تشتغل عليها من الأساس، ثيمة الإنسان.
هذه الصور أهميّتها في أنها تؤشّر على طاقة الكاتبة، وتماهيها الإنساني، وميلها نحو الحزن، الذي هو عنصرٌ أصيل في العمل الأدبي، مثلما هو الفرح الذي كثيراً ما يبنى على ركامٍ حزين. لا تلجأ نصراوين إلى التمهيد أو التعبير العادي، لأن الصورة الصّادمة التي تجتاح القارئ تؤدّي غرضها وتُحقق غاية التأثير. هذا التأثير الذي وجدته (الرأي) في ضيوف قرأوا مقطوعات من الكتاب الذي أهدته نصراوين الصحيفة، وقرأت منه:( عندما يبكي الرجال تهطل السيول من السماء وتفيض الأرض بالنحيب وتزمجر ريحٌ عاتية فوق الرؤوس المكسورة، تقطر الدماء من الجروح النازفة وتغرق الأرض في بحور من الألم واليأس والرهبة، فتفيض الغيوم بأنّاتٍ من المطر تسيل على وجه الأرض الحزين).
(عندما يبكي الرجال تنساب الدموع الحارة من عيون الشمس مدرارة تذيب النفس وتصهر صقيع الأرض المذاب تحت معبد الزمن الغائب، يموت القدر عن تردد آهات هذا الزمن اليائس ويحتضر الشوق في سواقي الأيام فتنحني الآلهة تحت أرجل هذه العتمة اللامتناهية في أجفان لاكها القدر الأصم بين أسنان الأيّام.. عندما يبكي الرجال تلتصق في الحناجر غصّاتٌ تشتدّ تارةً وترتخي تارةً فترتفع الدماء في العروق وتحنو الشرايين والأوردة على بعضها البعض فترتجف الأطراف ويخفق القلب وتتساقط الدموع من العيون سيوفاً تجرح حدود الوجه وتحرقه بنيران الاكتظاظ واللهفة.. عندما يبكي الرجال تثور الأرواح في سكينة ظلماء يعبث بها ضجيج العميان وصرخات الخرس وفي لوعة حارقة، مالت الشمس وانحدر صوت الشيوخ بين السواقي، فارتفعت لوعات الأطفال في كبد السماء ودموع الرجال كالمطر تهطل حبات لؤلؤ فوق عظام يابسة غريقة في بحيرات الدم المراق.. تلفّ الأيّام دورتها.. تدور وتدور.. ودموع الرجال ما زالت تتساقط لا يشفيها إلا دوران الأيّام وتأوهات الأحلام).
وعند كثير من أهل الأدب ونقّاده فإنّ الأدب المنثور ذو الصّور خيرٌ وأحبّ من القصيد الجاف الموزون الذي لا يتعدى النظم، ولعلّ هذا ما يؤسس الكاتبة لأن يكون اختيارها المقبل يسيراً، في أجناس الأدب قصّةً أو روايةً أو شعراً موزوناً أو غير موزون.
ما يلفت أنّ الفواصل في أسطر الخاطرة تقلّ عند نصراوين، وربّما يكون مردّ هذا إلى دفق شديد في تشابيهها وهذا النفس غير المنقطع المهووس بالحالة قيد المعالجة. وإذا كان النص الأدبي يحمل النص الاجتماعي المستقى من ملامح البشر ومتاعبهم وآلامهم المستجدّة، فإن هذا النص غير التقريري، يتوشّى بالحزن والفرح، وهو ما تؤكّده نصراوين التي قالت إنّها ليس بالضرورة أن تكون هي الموضوع خواطرها الرئيس، مع أنها لا بد أن تكتوي بنارها، مع أنها كما قالت عاشت حياةً طبيعيّة خالية من النقص أو الحرمان، فهي وحيدة أبويها، ومن الطبيعي كما قالت أن تنعكس فرحة والديها على محيطها الإنساني. تؤمن الكاتبة نصراوين بالروح في عالم مليء بالمادّة، لا ينتبه الناس فيه إلى خطاب هذه الروح الشفيفة التي يعطّلونها عن قصد في خضمّ اللهاث وراء المادّيات، وترى الخاطرة فنّاً فاضحاً يدقق في التفاصيل القلبيّة ويعبّر تعبيراً مؤثّراً عن خفايا النفس وآلام البشر.
تأثير الخاطرة، كما تقول نصراوين، وصل إلى (الناس)، إذ جاءتها ردود فعل طيبة ممن انطبقت عليهم حالات معيّنة في الكتاب الذي حظي بحضور فاعل حين توقيعه، مبيّنةً أن التواصل بينها وبين الناس إنما هو بسبب هذه الروح، وأنّ ثقافتها لا تقتصر على كتاب واحد في الأدب، مشيرةً إنها تقرأ لغادة السمان وأحلام مستغانمي وجبران.
ميزة (الحلم) عند نصراوين أنه بلا قيد وأنّنا نتجاوز به كل الجدران، فالفتاة على وجه التحديد تخلق عالمها الخاص بها، وتتدرّب في مساحة هذا الحلم الواسعة. ترى نصراوين أن الخاطرة بوصفها نصّاً أدبيّاً هي معركة مفتوحة يمكن فيها استثمار كل أنواع الأسلحة للوصول إلى الفكرة.
المواضيع الإنسانية تظل تتكرر عند نصراوين وعند غيرها، وهي تعترف بأنها تسعى لتظل العلاقة بين الإنسان وربّه طيّبة، وتقرأ(لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض)، ومن هنا تبحث نصراوين عن هذه القيم المهمّة لتؤلف منها خاطرة مؤثّرة.
هل يمكن أن تأخذك الآيات والتعاليم الدينية بعيداً عن الجوّ الأدبي أو النص المحمّل بالأدب؟!.. تجيب نصراوين أنّها أحبت الاتجاه الديني، لأن المساحة التي نشتغل فيها مهما اتسعت، يجب ألا تتجاوز الإطار، بمعنى ألا نتمرّد أو نتجرّأ فيها على الله.
من خاطرة (يوم جديد)، تقرأ نصراوين: (ما زال هناك يوم جديد، يوم تختفي فيه الظلال وتظهر الأجساد كاملة الهيئة، يوم تشرق فيه الشمس وينجلي الظلام، ما زال هناك يوم جديد)، لتسير على هذا الأسلوب في بقية خواطر الكتاب: غربة وألف قطار، غروب، غفوة النهار وضجيج الليل، في ظلال الشك، لا أريد الموت بعد أن تعلّمت الحياة، ومواضيع كثيرة.
من خاطرة (لا أريد الموت بعد أن تعلمت الحياة) نقرأ: (نيران، نيران تشتعل، حمم بركانيّة تتدفق داخلي، أشعر أنّ قلبي انسلخ من جسدي، وأن أوردتي تقطّعت.. أوجاع رهيبة وآلام لا تحتمل. فقدت القدرة على التركيز، وانشلّ الإحساس بالشعور، لا أستطيع التنفس!.. نيران.. نيران في كلّ مكان.. نيران!!).
ومن خاطرة(الله أكبر.. هللويا)، نقرأ: (حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة وأي مسرّة وأي سلام أيّ صلاح وأيّ فلاح وشعوبنا تسير درب آلامها نحو الجلجلة بأقدامها حاملةً صليبها فوق ظهرها حافرةً قبور شهدائها بيديها ومطببةً جراحها بنفسها... جُلد المسيح ثمانين جلدة واضطُهد الرسول أسوأ اضطهاد وشعوبنا تُجلد وتضطهد كل يوم منذ بدء التاريخ!!.. نفدت الأكفان!!.. لم يبق مكان للقبور!!.. لم تبق مساحة للدمع!!.. جفّت مآقي الأمهات وماتت لذّة الإحساس بالألم).
حصلت نصراوين على شهادتها في اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية، ولديها اهتمامات في الترجمة، وتسعى إلى استثمار الثقافة التي تتيحها معرفة هذه اللغات، في الإخلاص للخاطرة، مع أنها يمكنها أن تتخصص في أجناس أدبيّة مستقبلاً، استناداً إلى هذا الحس الأدبي الصريح في شرارته الأولى(هكذا تكون البداية).